السيد محمد باقر الصدر

62

دروس في علم الأصول

المجعولة للواضع ، فاستعمال الحرف في الابتداء حالة اللحاظ الاستقلالي استعمال في معنى بلا وضع ، لان وضعه له مقيد بغير هذه الحالة لا استعمال في غير ما وضع له . والاتجاه الثاني : ما ذهب إليه مشهور المحققيين بعد صاحب الكفاية ، من أن المعنى الحرفي والمعنى الاسمي متباينان ذاتا ، وليس الفرق بينهما باختلاف كيفية اللحاظ فقط ، بل إن الاختلاف في كيفية اللحاظ ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين على ما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى . اما الاتجاه الأول فيرد عليه ان البرهان قائم على التغاير السنخي والذاتي بين معاني الحروف ومعاني الأسماء وملخصه انه لا اشكال في أن الصورة الذهنية التي تدل عليها جملة " سار زيد من البصرة إلى الكوفة " مترابطة بمعنى انها تشتمل على معان مرتبطة بعضها ببعض فلا بد من افتراض معان رابطة فيها لايجاد الربط بين " السير " و " زيد " و " البصرة " و " الكوفة " ، وهذه المعاني الرابطة ان كانت صفة الربط عرضية لها وطارئة ، فلا بد أن تكون هذه الصفة مستمدة من غيرها ، لان كل ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات ، وبهذا ننتهي إلى معان يكون الربط ذاتيا لها ، وليس شئ من المعاني الاسمية يكون الربط ذاتيا له ، لان ما كان الربط ذاتيا ومقوما له - وبعبارة أخرى عين حقيقته - يستحيل تصوره مجردا عن طرفيه لأنه مساوق لتجرده عن الربط وهو خلف ذاتيته له ، وكل مفهوم اسمي ، قابل لان يتصور بنفسه مجردا عن أي ضميمة وهذا يثبت أن المفاهيم الاسمية غير تلك المعاني التي يكون الربط ذاتيا لها ، وهذه المعاني هي مداليل الحروف ، إذ لا يوجد ما يدل على تلك المعاني بعد استثناء الأسماء إلا الحروف ، وحتى نفس مفهوم النسبة ومفهوم الربط المدلول عليهما بكلمتي النسبة والربط ، ليسا من المعاني الحرفية ، بل من المعاني الاسمية لامكان تصورهما بدون أطراف .